صديق الحسيني القنوجي البخاري

363

فتح البيان في مقاصد القرآن

إلى من يملك كشف تلك الكروب عنه ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم ، والجملة مستأنفة لبيان سبب الفرار ، قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه عن قرابته ، ومنه يقال أغن عني وجهك أي أصرفه . عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تحشرون حفاة عراة فقالت امرأة أيبصر أحدنا أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » « 1 » أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح . قرأ الجمهور يغنيه بالغين المعجمة وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه . ثم بين مآل أمر المذكورين وانقسامهم إلى الأشقياء والسعداء بعد وقوعهم في داهية عظيمة فقال : وُجُوهٌ مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل وحيز التنويع ، وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة يَوْمَئِذٍ متعلق به ومعنى مُسْفِرَةٌ مشرقة متهللة مضيئة ، وبه قال ابن عباس ، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذا ذاك ما لهم من النعيم والكرامة ، يقال أسفر الصبح إذا أضاء قال الضحاك : مسفر من آثار الوضوء وقيل من قيام الليل ، وقيل من الغبار في سبيل اللّه ضاحِكَةٌ عند الفراغ من الحساب مُسْتَبْشِرَةٌ أي فرحة بما نالته من الثواب الجزيل وكرامة اللّه ورضوانه . ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أي غبار وكدورة لما تراه مما أعده اللّه لها من العذاب تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أي يغشاها ويعلوها سواد وكسوف ، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه ، والقتر في كلام العرب الغبار كذا قال أبو عبيدة ، ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة فإنها واحدة الغبار ، وقال زيد بن أسلم القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة ما انحطت إلى الأرض ، قال ابن عباس : ذلة وشدة وعنه أنه قال قترة سواد الوجه . أُولئِكَ يعني أصحاب الوجوه وأهل هذه الحالة هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ جمع كافر وفاجر أي الجامعون بين الكفر باللّه والفجور ، ولذلك جمع إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر ، يقال فجر أي فسق ، وفجر أي كذب ، وبابهما دخل ، وأصله الميل ، والفاجر المائل عن الحق .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 80 ، باب 2 .